الشيخ الجواهري

26

جواهر الكلام

وفاقدهما جامع فيه أمرين يقتضي كل منهما حسن تركه ، لقوله تعالى ( 1 ) : " وسيدا وحصورا " في مدح يحيى على نبينا وآله وعليه السلام . وقوله عز وجل ( 2 ) : " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا " إلى آخره . فيكون مكروها ، وأما من كان واجدا لأحد الوصفين دون الآخر فهو جامع بين جهتي حسن النكاح وحسن تركه ، فيتعارض الوجهان فيه ويثبت له حكم الأصل السالم عن المعارض أعني الإباحة ، وفيه منع اقتضاء كل من عدم الشهوة وعدم القدرة حسن ترك النكاح ، والاستدلال بالآيتين على ذلك قد عرفت ضعفه مما تقدم . وكيف كان فهل هو أفضل أم التخلي للعبادة ؟ قولان : أقواهما الأول ، لما في ترك النكاح والاشتغال بالعبادة والرياضة من الرهبانية المنفية في هذه الشريعة ، فعن تفسير علي بن إبراهيم ( 3 ) في تفسير قوله ( 4 ) تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات إلى آخره " إنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون ، فأما أمير المؤمنين عليه السلام فحلف أن لا ينام بالليل أبدا ، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا ، فدخلت امرأة عثمان على عائشة ، وكانت امرأة جميلة ، فقالت عائشة : مالي أراك متعطلة ؟ فقالت ولمن أتزين ؟ فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا ، فإنه قد ترهب ، ولبس المسوح ، وزهد في الدنيا ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرته عائشة بذلك ، فخرج فنادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات إني أنام بالليل ، وأنكح وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني ، فقام هؤلاء ، فقالوا : يا رسول الله قد حلفنا على ذلك

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 - الآية 39 . ( 2 ) سورة النور : 24 - الآية 33 . ( 3 ) تفسير البرهان - ذيل الآية 87 من سورة المائدة . ( 4 ) سورة المائدة : 5 - الآية 87 .